السيد عباس علي الموسوي

383

شرح نهج البلاغة

وأحصى إحسانه إليكم ) وهذه صيحة علوية بالناس أن يتنبهوا ويستيقظوا فإنه سبحانه لم يخلقنا عبثا بدون غاية أو قصد وبعد خلقنا لم يتركنا وشأننا كالسوائم تسرح على وجهها بدون سؤال بل خلقنا لحكمة وبعدها هناك حساب يسألنا عن كل صغيرة وكبيرة . . . ثم بين أن اللّه عالم بمفردات إحسانه إلينا فهو يحصيها ويعدها ويعرف مبلغها وتفصيلات تلك النعم وقد أراد من خلال ذلك أن يدفعنا للشكر عليها من جهة وأنه يحاسبنا عليها من جهة أخرى إذا أهملنا شكرها . . . ( فاستفتحوه واستنجحوه واطلبوا إليه واستمنحوه ) اطلبوا منه أن يفتح أبواب رحمته كي تؤدوا شكرها واطلبوا منه النجاح والتوفيق في إداء ما عليكم واطلبوا منه ما تريدون واطلبوا منه منحه وعطاياه وما ترغبون به وتحبونه . . . ( فما قطعكم عنه حجاب ولا أغلق عنكم دونه باب وإنه لبكل مكان وفي كل حين وأوان ومع كل إنسان وجان ) ليس بينكم وبينه حجاب يفصلكم عنه أو يمنعكم من الاتصال به ولم يرتج أبوابه دونكم ويمنعكم من الدخول عليه بل أبوابه مفتحات للسائلين وليس في مكان دون مكان بل في أي أرض دعوتموه فيها كان حاضرا وفي كل وقت وزمان هو حاضر موجود فاللهّ قريب منكم على اتصال بكم لا يحجبه عنكم حجاب الزمان ولا المكان ولا المادة العمياء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ومعنا أينما كنا وحيثما وجدنا إنه مع كل بشر وجان . . . ( لا يثلمه العطاء ولا ينقصه الحباء ولا يستنفده سائل ولا يستقصيه نائل ) فمهما أعطى لا يؤثر فيما عنده العطاء ، وكذلك لا ينقص عطاؤه شيئا من خزائنه ومهما سأل السائلون وأعطوا ما سألوا لا تنتهي عطاياه ولا يأتي على آخرها كل الطالبين لأن هذه الحالات إنما تطرأ على الممكن المحتاج فتؤثر فيه وفي ملكه أما الواجب الوجود فهو الغني المطلق الذي لا يتأثر بكل ذلك وهو الغني عن الإمكان والحاجة . . . ( ولا يلوية شخص عن شخص ولا يلهيه صوت عن صوت ) وهذه من صفات اللّه ومن قدرته العظيمة التي ترتفع به عن الحالات البشرية فإذا كان الواحد منا مشغول بأحد الناس أعرض عن الآخر وإذا التفت نحو صوت اشتغل به عن غيره للقدرة المحدودة عند الإنسان والعجز المستحكم فيه أما اللّه فإنه يستوعب الجميع ولا يشغله إنسان عن إنسان ولا صوت عن صوت بل يسمع جميع الأصوات ولا يشغله شأن عن شأن . . . ( ولا تحجزه هبة عن سلب ولا يشغله غضب عن رحمة ) فهو في نفس الوقت الذي يعطي بعض الناس يسلب آخرين ما أعطاهم وإذا غضب على قوم فعاقبهم لا يمنعه ذلك